فخر الدين الرازي

2

تفسير الرازي

سورة فاطر ( أربعون وخمس آيات مكية ) بسم الله الرحمن الرحيم * ( الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ جَاعِل الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . * ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً ) * قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر ، ونعم الله قسمان : عاجلة وآجلة ، والعاجلة وجود وبقاء ، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى ، وقوله تعالى : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ) * إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد ، واستدللنا عليه بقوله تعالى : * ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً ) * وقوله في الكهف : * ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) * إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء ، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب ، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفصل بينهم ، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل وللتفاني ، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل ، وفي قوله في سورة سبأ : * ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة ) * إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر ، واستدللنا عليه بقوله : * ( يعلم ما يلج في الأرض ) * من الأجسام * ( وما يخرج منها وما ينزل من السماء ) * من الأرواح * ( وما يعرج فيها ) * وقوله عن الكافرين : * ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ، قل بلى وربي ) * وههنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * أي يجعلهم رسلاً يتلقون عباد الله ، كما قال تعالى : * ( وتتلقاهم الملائكة ) * وعلى هذا فقوله تعالى * ( فاطر السماوات ) * يحتمل وجهين الأول : معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني : * ( فاطر السماوات والأرض ) * أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى : * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلاً ، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت . كما قال تعالى عنهم : * ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش ) * فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم